الشيخ السبحاني
31
مفاهيم القرآن
والعجب أنَّ علّامة مصر الشيخ محمد عبده شيخ الأزهر الّذي كان يرتجى منه الحفاظ على المفاهيم الأصيلة ، تورّط في هذا المأزق ، ففسر الملائكة وإبليس تفسيراً ماديّاً بعيداً عن ساحته . ( « 1 » ) كما أنّ موقفه في تفسير السحر كذلك أيضاً ، حيث يفسر قوله سبحانه : ( مِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ ) ( « 2 » ) بالنّمامين المقطعين لروابط الإلفة ، المحرقين لها بما يلقون عليها من ضرام نمائمهم . ( « 3 » ) وقد تأثر بهذا المنهج تلميذه الشيخ محمد رشيد رضا ، فعاد ينكر أن يكون للنبي معجزة غير القرآن الكريم ، ويقول في جواب المحتجين بانشقاق القمر : قد بيّنّا أنّ ما تدلّ عليه الآيات القرآنية المؤيدة بحديث الصحيحين الصريح في حصر معجزة نبوّته في القرآن ، هو الحق الّذي لا ينهض لمعارضته شيء . ( « 4 » ) فإذا كان شيخ الأزهر ( عبده ) وتلميذه سائرين على هذا النمط من التأويل ، فما الظن بغيرهما من البسطاء ؟ ! ! إذا كان ربُّ البيت بالدف مولعاً * * * فشيمة أهل البيت كلُّهم الطرب ولقد كان المفسّر المعاصر سيد قطب يميل إلى هذا النوع من التأويل ، ولكنّه عندما وصل إلى تفسير سورة الجن تنبّه إلى أنّ في هذا اللون من التأويل ضرراً وبيلًا وقال : الجزم بنفي وجود الجن ، ومعلومات البشر عن هذا الكون وقواه وسكانه من الضآلة بحيث لا تسمع بإنسان يحترم عقله أن يجزم بشيء .
--> ( 1 ) . لاحظ المنار : 1 / 267 . ( 2 ) . الفلق : 4 . ( 3 ) . تفسير جزء عم : 180 . ( 4 ) . تفسير المنار : 11 / 333 ؛ الوحي المحمدي : 69 .